صديق الحسيني القنوجي البخاري

348

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الكسائي والفراء والزجاج : تمّ الكلام عند قوله بناها لأنها من صلة السماء والتقدير أم السماء التي بناها فحذف التي ، ومثل هذا الحذف جائز . ومعنى فَسَوَّاها جعلها مستوية الخلق معتدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور ، ولا فروج ولا شقوق ، وَأَغْطَشَ لَيْلَها الغطش الظلمة بلغة أنمار أي جعله مظلما يقال أغطش الليل وأغطشه اللّه كما يقال أظلم الليل وأظلمه اللّه ، ورجل أغطش وامرأة غطشى لا يهتديان . قال الراغب وأصله من الأغطش وهو الذي في عينه عمش ، ومنه فلاة غطشى لا يهتدى فيها والتغاطش التعامي ، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس ، والشمس مضافة إلى السماء . وَأَخْرَجَ ضُحاها أي أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس وعبر عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها ، وأضافة إلى السماء لأنه يظهر بظهور الشمس ، وهي منسوبة إلى السماء . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد خلق السماء دَحاها بسطها يقال دحا يدحو دحوا ودحى يدحي دحيا أي بسط ومد فهو من ذوات الواو والياء فيكتب بالألف والياء ويقال لعش النعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض ، قال أمية بن الصلت : دحوت البلاد فسويتها * وأنت على طيها قادر قيل دحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام . ولا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ثم دحى الأرض ، وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك ، وقدمنا أيضا بحثا في هذا في أول سورة البقرة عند قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] وذكر بعض أهل العلم أن ( بعد ) بمعنى مع كما في قوله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] وقيل ( بعد ) بمعنى قبل كقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [ الأنبياء : 105 ] أي من قبل الذكر ، والجمع الذي ذكرناه أولى وهو قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير . وعن ابن عباس أن رجلا قال له آيتان في كتاب اللّه تخالف إحداهما الأخرى ، فقال إنما أتيت من قبل رأيك قال اقرأ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ حتى بلغ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] وقوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قال خلق اللّه الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء وإنما قوله : دَحاها بسطها ، وعنه قال دحاها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينها في يومين .